محمد سعيد رمضان البوطي
8
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
المستخلف عن اللّه ، وهو المكرّم بحكم اللّه ؛ فإن تفاوت الناس وراء هذه السيادة ، فإنما يتفاوتون بالتقوى والعمل الصالح ، لا بأي من الامتيازات الأخرى التي قد يتباهى بها بعض الناس . لا جرم أن شدة إقبال الناس على ما كتبته من تصحيح لتلك الأغلاط أو الانحرافات ، تعود إلى سبب واحد لا ثاني له ، هو تعلّق الفطرة الإنسانية الأصيلة بالحق أينما لاح وأيّا كان المنادي به ؛ وثقل الباطل عليها واشمئزازها منه ، مهما كانت المغريات التي أنيط بها أو الزينة التي غمس فيها . ولعل هذا من بعض معنى قول اللّه عزّ وجلّ : يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ ، وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ . هذا ، إلى جانب ما هو بيّن واضح ، من أن عقول أكثر الناس تتجه اليوم إلى البحث عن الحقيقة . . الحقيقة الصافية عن الشوائب والمتحررة من سلطان الأغراض والأسبقيات ، لا سيما بعد أن ظهر للعيان كيف مني الإنسان بالمصائب الفادحة من جراء التلاعب بالحقائق والسعي إلى إخضاعها لحكم الرعونات والمصالح والأهواء . ولعل هذا من بعض العوامل الكامنة وراء ما نشاهده جميعا من الصحوة الإسلامية ، على سائر الأصعدة ، وبين جميع الفئات . * * * أما هذه الطبعة ، فإنها تمتاز - بعد العناية التي وفقنا اللّه لها في التّنضيد والإخراج - بقسم سابع يتضمن بيانا موجزا للخلافة الراشدة ، وقد كان لا بدّ أن نسير في ذلك على المنهج المتّبع ذاته ، فنتبع الحديث عن حياة كل خليفة وأهم الأحداث التي جرت في عهده بالعبر والعظات التي تؤخذ من ذلك . وبهذا نكون قد وفقنا لجعل هذا الكتاب مصدرا وافيا لسيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وخلفائه الراشدين ، مع التحليل الذي يضع القارئ أمام فقه ذلك كله ، ويصله بالمعاني والمبادئ التي تعدّ ثمرة هذه الدراسة ، وأهم الأغراض التي ينبغي أن تقصد من ورائها . والفضل أولا وآخرا في هذا التوفيق للّه عزّ وجلّ وحده . كل ما أرجوه من اللّه عزّ وجلّ ، بعد أن أكرمني بهذا التوفيق ، أن يزيد من إنعامه فيكرمني بالإخلاص لوجهه الكريم ، ويطهّر قلبي عما دون ذلك من الدوافع والأغراض . ويقيني الذي لا يدخله ريب ، أن الأمر كله بيد اللّه ، وأن لا حول ولا قوة إلا باللّه . دمشق 15 رمضان 1411 ه 1 نيسان 1991 م محمد سعيد رمضان البوطي